الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

521

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فيكون مندرجا في الحالة المشبّهة ، وإجراء ضمير كسبوا ضمير جمع لتأويل الذي ينفق بالجماعة ، وصالحا لأن يكون حالا من مثل صفوان باعتبار أنّه مثل على نحو ما جوّز في قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [ البقرة : 19 ] إذ تقديره فيه كمثل ذوي صيّب فلذلك جاء ضميره بصيغة الجمع رعيا للمعنى وإن كان لفظ المعاد مفردا ، وصالحا لأن يجعل استينافا بيانيا لأنّ الكلام الذي قبله يثير سؤال سائل عن مغبة أمر المشبّه ، وصالحا لأن يجعل تذييلا وفذلكة لضرب المثل فهو عود عن بدء قوله : لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى [ البقرة : 264 ] إلى آخر الكلام . وصالحا لأن يجعل حالا من صفوان أي لا يقدرون على شيء ممّا كسبوا منه وحذف عائد الصلة لأنّه ضمير مجرور بما جرّ به اسم الموصول . ومعنى لا يَقْدِرُونَ لا يستطيعون أن يسترجعوه ولا انتفعوا بثوابه فلم يبق لهم منه شيء . ويجوز أن يكون المعنى لا يحسنون وضع شيء ممّا كسبوا موضعه ، فهم يبذلون ما لهم لغير فائدة تعود عليهم في آجلهم ، بدليل قوله : اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ . والمعنى فتركه صلدا لا يحصدون منه زرعا كما في قوله : فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها [ الكهف : 42 ] . وجملة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ تذييل والواو اعتراضية وهذا التذييل مسوق لتحذير المؤمنين من تسرّب أحوال الكافرين إلى أعمالهم فإنّ من أحوالهم المنّ على من ينفقون وأذاه . [ 265 ] [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 265 ] وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 265 ) عطف مثل الذين ينفقون أموالهم في مرضاة اللّه على مثل الذي ينفق ماله رئاء الناس ، لزيادة بيان ما بين المرتبتين من البون وتأكيدا للثناء على المنفقين بإخلاص ، وتفنّنا في التمثيل . فإنّه قد مثّله فيما سلف بحبّة أنبتت سبع سنابل ، ومثّله فيما سلف تمثيلا غير كثير التركيب لتحصل السرعة بتخيّل مضاعفة الثواب ، فلما مثّل حال المنفق رئاء بالتمثيل الذي مضى أعيد تمثيل حال المنفق ابتغاء مرضاة اللّه بما هو أعجب في حسن التخيّل ؛ فإنّ الأمثال تبهج السامع كلّما كانت أكثر تركيبا وضمّنت الهيئة المشبّه بها أحوالا حسنة